ثنايا الكلمة
لم تلتفت سلمى لمؤشر سرعة سيارتها الذي قد تجاوز التسعون وهي على الطريق الدائري في طريقها إلى جراند كافيه على نيل القاهرة ، ولم تهتم بتغيير مؤشر الراديو عندما بدأ في إذاعة أغنية يابنت الإيه التي تستفزها بشكل غير إعتيادي .. كل ماكان يهمها هو هذا المجهول الذي ستقابله .. هذا المجهول الذي قلب حياتها رأسا على عقب خلال العشرين يوما الماضية ، عشرون دقيقة وتنتهي حيرة أيام وليالي مع هذا المجهول ... بالرغم من أن إسمه يشع ضياء ووضوح وسطوع إلا أنه مازال يمثل لها غموضاً يزيد من جماله .. تتذكر سلمى يوم أن ظهر نور في حياتها .. لا بل في بريدها الإلكتروني حيث كان يمطرها ببعضاً من أشعاره يومياً وبصورة منتظمة ، وكانت سلة المهملات هي نصيب قصائده فهو لايعرف أنه يرسل أشعاره لإمرأة لاتهوى بل ولا تطيق الشعر ، بالرغم من أن سلمى مدونة تكتب إنفعالتها بصورة حادة غالبا وأحيانا بطريقة غير مفهومة للآخرين ولاتهتم بردود أفعال من يقرأ تدويناتها ولم ترد على أي تعليق وصل لها ، الأمر الذي جعل كثيرين يلفظونها بعد بضعة متابعات .. إلا أنها لم تكن مثل صديقتها المعروفة بإسم شتاء أغسطس فلم تستسغ يوما أي نوع من أنواع الشعر أو القصائدبحركة إنفعالية ضغطت على زر إقفال راديو السيارة كي تستمتع بإستعادة أحداث الأيام السابقة يوم أن توقفت في إحدى المرات قبل أن تحذف بصورة روتينية رسالته اليومية دون فتحها .. شيئ ما دفعها إلى التركيز مع هذا الملل اليومي ففتحت الرسالة وجدتها كالعادة شعراً .. إكتشفت انه لايرسل إلا شعرا .. لا كلمات .. لا تحيات .. لاتوقيع .. لاإعجاب .. ولا حتى سباب تعودت ان تحصل عليه من آن لآخر في بريدها .. كانت شخصية سلمى الحادة تجعلها تكره عدم الوضوح بشكل عام وتتململ من تصرفات المراهقين ، تلك الشخصية التي جعلتها خلال ساعة حوار قبل مرور عام على زواجها أن تحمل لقب مطلقة .. طلبتها وأصرت عليها رغم ماكان يتمتع به طليقها من رومانسية تزيدها عصبية وتوترا غير مبرر ... طغطت على نفسها تقرأ شعره لم ترى فيه شيئا .. بضعة كلمات فارغة تحمل عنوان أريد دواءاً خافضا للحب ... غضبتها جعلتها ترسل له رسالة من كلمتين جافتين .. إنت مين ؟في أقل من دقيقة كان بريدها يحمل رداً من خمس كلمات على رسالتها يقول أنا بين ثنايا الحرف ولهيب المعنى ، أنقذها من غيظها المعتاد صوت صديقتها المدونة شتاء أغسطس على هاتفها المحمول فوجدتها تحدثها عن هذا المجهول المُرهِق قارئة عليها بعضاً مما كتبالقمر يستفزني...فلا أجد سوى ورقاً من حزن وحبراً من ذاكرة..حتى نهاية الرسالة..بعض القلوب إذا أصابها العشق عجزت إلا عنه... وما عادت تصلح إلا للحبيب الذى أعطبهاومن هذه القلوب ... قلب من نوريخرب بيتك ... هكذا بادرتها شتاء أغسطس قبل أن تطلب منها أن تقرأ لها رسالة أخرى إستطاعت سلمى إستعادتها من سلة المهملات يقول فيهافتشوا في حقائبي وبين أوراقي عن ورد وياسمين ولم يجدوا سوى خنجرقسما ًبربي لم يكن خنجري .. سقط من صدروهم .. فحملته أسطريلا أحد يحبني..حتى نهاية الرسالة..وما زال قلبي معلقا على بابكنور ... الذي يحلم أن ينامده شعر فنان ، لم أسمعه من قبل .. تعبيراته مبتكرة وغير عادية.. تركيباته للكلمات جديدة .. هكذا كان رأي شتاء أغسطس الذي بدأ يمطر على رأس سلمى ، بين ثنايا الكلمة ولهيب المعني ... ده معناه إن إسمه نور ياعزيزتي .. هكذا تعرفت شتاء على إسمه ، هنا بدأت سلمي تشعر بمعنى جديد للكلمات وبروح للبحث بين ثناياها لم تختبرها من قبل على غير إرادتهازحام الجيزة إضطر سلمى أن تخفض من سرعتها وهي تسابق الدقائق للوصول للكافيه .. لترى النور أو ترى نور لايهم ، فقد أصبحا سواء .. فقد أصبحا كليهما مرادفا لإحساس دافئ يتخلل مشاعرها ، وذلك بعدما رفضت بحدة طلب شتاء أغسطس أن تراسل هي النور حيث أعجبتها لعبة ثنايا الكلمة وإكتشاف خباياهاعاشت سلمى أياما جميلة وصباحات مختلفة متشوقة ومتعلقة بفك رموز الرسالة اليومية التي لاتتأخر عن موعدها في الحادية عشر صباحا ، وتحمل محتوى جديدا كليا عليها كل مرة ، بل تكتشف جديدا لها كلما أعادت قرائتها بعدما تعلمت فن قراءة الكلمات ومتعة إلتقاط ماتخفيه بين حروفها ، حتى كان قراراها بمقابلته بصعوبة لاتقل عن صعوبة موافقته على اللقاء من خلال قصيدة أدمعتها كلماتها وزادت قلبها إشتياقا وتوهجاً وصخباً لا يقل عن صخب الكافيه الذي وصلته قبل خمس دقائق من موعدها ولم تحتمل أن تنتظرهم خارجه .. كان دخولها ملفتا لنظر المجموعات المختلفة داخل الكافيه فكانت هي المفرد الوحيد بين تلك الجموع .. لم تخجلها نظراتهم وهي تتفحصهم بدقة ولم تصل لنتيجة محددة لتساؤلها أيهم يكون النور .. حتى دخل مهندم الملبس حليق الرأس بإبتسامة ساحرة يجلس على الطاولة المجاورة ، يرمقها بنظرة سريعة وحيدة لم تتكرر ثانية تخطف قلبها قبل عينيها ، وبينما يقف محيياً فتاة تقترب منه أشد منه جاذبية وسحراً مقبلا إياها من وجنتيها ، تجد خبطا خلفيا رقيقا على كتفيها لتلتفت ببطء وقلبها يزداد نبضاً وترفع رأسها لتراه ... فتسقط مغشيا ًعليها
--------------------------------------------------------------
نقلا عن نضارة شمس
ملحوظة : القصة مستوحاة من القصيدة والكلمات النثرية الخاصة بفنان موهوب ومجهول